الشنقيطي
315
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وأبو الطفيل ولد عام أحد ومات سنة عشر ومائة على الصحيح ، وبه تعلم أنه لا شك في معاصرتهما واجتماعهما في قيد الحياة زمنا طويلا ، ولا غرو في حكم ابن حزم على رواية يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل بأنها باطلة ، فإنه قد ارتكب أشد من ذلك في حكمه على الحديث الثابت في صحيح البخاري « ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف » « 1 » بأنه غير متصل ولا يحتج به بسبب أن البخاري قال في أول الإسناد قال : هشام بن عمار ومعلوم أن هشام بن عمار من شيوخ البخاري وأن البخاري بعيد جدا من التدليس وإلى رد هذا على ابن حزم أشار العراقي في ألفيته بقوله : وإن يكن أول الإسناد حذف * مع صيغة الجزم فتعليقا عرف ولو إلى آخره أما الذي * لشيخه عزا بقال فكذي عنعنة كخبر المعازف * لا تصغ لابن حزم المخالف مع أن المشهور عن مالك وأحمد وأبي حنيفة - رحمهم اللّه - الاحتجاج بالمرسل ، والمرسل في اصطلاح أهل الأصول ما سقط منه راو مطلقا فهو بالاصطلاح الأصولي يشمل المنقطع والمعضل ، ومعلوم أن من يحتج بالمرسل يحتج بعنعنة المدلس من باب أولى كما صرح به غير واحد وهو واضح والجواب عن القدح في أبي الطفيل بأنه كان حامل راية المختار مردود من وجهين الأول أن أبا الطفيل صحابي وهو آخر من مات من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كما قاله مسلم وعقده ناظم عمود النسب بقوله : آخر من مات من الأصحاب له * أبو الطفيل عامر بن واثلة وأبو الطفيل هذا هو عامر بن واثلة بن عبد اللّه بن عمرو بن جحش الليثي نسبة إلى ليث بن بكر بن كنانة ، والصحابة كلهم - رضي اللّه عنهم - عدول وقد جاءت تزكيتهم في كتاب اللّه وسنة نبيه صلّى اللّه عليه وسلم كما هو معلوم في محله والحكم لجميع الصحابة بالعدالة هو مذهب الجمهور وهو الحق وقال في مراقي السعود : وغيره رواية والصحب * تعديلهم كل إليه يصبو واختار في الملازمين دون من * رآه مرة إمام مؤتمن الوجه الثاني : هو ما ذكره الشوكاني - رحمه اللّه - في نيل الأوطار وهو أن أبا الطفيل إنما خرج مع المختار على قاتلي الحسين - رضي اللّه عنه - وأنه لم يعلم من المختار إيمانه بالرجعة ، والجواب عن قول الحاكم إنه موضوع بأنه غير صحيح بل هو ثابت وليس بموضوع .
--> ( 1 ) أخرجه عن أبي مالك الأشعري : البخاري في الأشربة ، حديث 5590 .